الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
88
مختصر الامثل
ليلته في حفظ اللَّه تعالى وكلائه ، فإن قرأهما في نهاره لم يصبه في نهاره مكروه ، وأعطي من خير الدنيا وخير الآخرة ما لم يخطر على قلبه ولم يبلغ مناه » . وهذا الثواب العظيم لا يكون نصيب من يكتفي من قراءته بلقلقة اللسان وحسب ، بل يجب أن تكون القراءة مقدمة للتفكير الذي يكون بدوره باعثاً على العمل الصالح . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 1 ) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ( 2 ) هو المالك لكل شيء والعالم بكل شيء : خمس سور من القرآن الكريم افتتحت « بحمد اللَّه » ، وارتبط ( الحمد ) في ثلاثة منها بخلق السماوات والأرض وهي ( سبأ وفاطر والأنعام ) بينما كان مقترناً في سورة الكهف بنزول القرآن على قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، وجاء في سورة الفاتحة تعبيراً جامعاً شاملًا لكل هذه الاعتبارات : « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ » . إنّ الحمد والشكر للَّهتعالى في مطلع سورة سبأ هو في قبال مالكيته وحاكميته تعالى في الدنيا والآخرة . يقول تعالى : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْأَخِرَةِ » . لذا فإنّ الحاكمية والمالكية في الدنيا والآخرة له سبحانه ، وكل موهبة ، وكل نعمة ، ومنفعة وبركة ، وكل خلقة سوية عجيبة مذهلة ، تتعلّق به تعالى ، ولذا فإنّ كل مدح وثناء يصدر من أحدٍ على شيء في هذا العالم ، فإنّ مرجعه في النهاية إلى اللَّه سبحانه وتعالى . ثم يضيف تعالى قائلًا : « وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ » . فقد اقتضت حكمته البالغة أن يُخضع الكون لهذا النظام العجيب ، وأن يستقرّ - بعلمه وإحاطته - كل شيء في محلّه من الكون ، فيجد كل مخلوق - كل ما يحتاج إليه - في متناولة . إنّ هذا الحمد والثناء لا ينطلق من ألسنة الناس والملائكة فقط ، بل تُسمع همهمة الحمد والتسبيح من كل ذرّة في عالم الوجود بإدراك العقل ، فليس من موجود إلّاويحمده ويسبّحه تعالى .